السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

171

مفاتيح الأصول

بأن قال بعده بلا مهلة أي أكرمك فإنه يحنث بعدم الإكرام لا بعدم الضرب ولو صحّ ما ذكر للزم إطلاق الضّرب على الإكرام مجازا وهو كما ترى فتأمل انتهى لأنا نقول ما ذكر ضعيف لأن الَّذي يستفاد من المتمسكين بالإجماع المذكور أن الإقرار لا يسمع شرعا إلَّا إذا كانت العبارة صحيحة لغة وأنّه من المسلمات فتأمل ولا يقال الإجماع المذكور ممنوع كما أشار إليه جماعة منهم الآمدي قائلا دعوى الاتفاق عليه خطاء فإن من لا يرى صحة استثناء الأكثر والمساوي فهو عنده بمنزلة الاستثناء المستغرق وإنما ذهب إلى ذلك الفقهاء القائلون بصحّة استثناء الأكثر لأنا نقول هذا ضعيف لأن الإجماع نقله جماعة من الخاصّة والعامة تمسكوا به على ما صاروا إليه من صحة الاستثناء المفروض وهم من أعيان العلماء فلا وجه لردّه إلَّا على تقدير عدم حجيّة الإجماع المنقول بخبر الواحد وهو خلاف التحقيق ومجرّد وجود الخلاف لا يقدح في حجيّته لما تحقق من إمكان تحقق الإجماع مع وجود المخالف ولو سلم اشتراط الإجماع بعدم المخالف فنقول نقل هؤلاء دليل على رجوع المخالف عن مقالته إلى ما صار إليه الفقهاء وحصول الإجماع بعد الخلاف جائز والعكس مستبعد وبالجملة القدح في انعقاد إجماعهم بعيد نعم قد يقال الإجماع أنما يكون حجة عندنا إذا كان كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام والمعالم يظهر ثبوته هنا ولو من طريق النقل وتمسّك طائفة من أصحابنا بإجماع الفقهاء في المسألة لعله مبني على إلزام العامة بما يقولون به فلا يكون من الإجماع المعتبر وفيه أنّه خلاف الظاهر جدّا خصوصا مع ملاحظة نسبة العلامة في النهاية القول بجواز استثناء الأكثر إلى علمائنا ونسبه ذلك ابنه إلى أكثرهم ثم لو سلم انتفاء الإجماع بالمعنى المعتبر في المسألة فنقول الظاهر أن أكثر العلماء على الجواز وأن المخالف شاذ كما صرّح به في شرح النافع وهذا بنفسه حجة وأما نسبة القول بالمنع إلى النّحاة أو أكثرهم فالمستفاد من عبائر أكثر العلماء أنّه وهم سلمنا ولكن قول النّحاة أنما يكون حجة حيثما لم يحصل له معارض أقوى وأمّا معه كما في محلّ البحث فلا فتأمل ومنها ما تمسّك به في الذّريعة والعدّة والنهاية من أن الاستثناء كالتخصيص في المعنى فإذا جاز تخصيص الأكثر جاز أن يستثنيه وزاد الأوّل فقال وليس لأحد أن يلزم على ذلك جواز استثناء الكلّ لأن ذلك يخرجه عن كونه استثناء لأن من حقه أن يخرج بعض ما تناول الكلام انتهى لا يقال هذا قياس في اللَّغة كما صرح به في الإحكام وهو فاسد لأنا نقول لا نسلَّم قصد القياس بل الظاهر أن المراد الاستقراء وتقريره أن الاستثناء نوع من التخصيص ومن الظاهر أن أغلب أنواعه جائز فيجب أن يكون هذا أيضا جائزا لأن المشكوك فيه يلحق بالغالب فتدبر ويمكن أن يكون المراد أن التخصيص إلى الواحد جائز ولو كان بالمنفصل فيجب أن يكون الاستثناء كذلك إمّا للأولوية لأن الاستثناء من المخصصات المتصلة أو لعدم القول بالفصل وفيه نظر ومنها ما ذكره في العدة فقال وأيضا إذا كان من حقه أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فلا فرق بين أن يخرج الأكثر أو الأقلّ في أنّه على حدّ واحد وفيه نظر واضح ومنها ما ذكره في النهاية فقال المنع إما أن يكون لعدم فهم المراد منه وهو باطل لأن من قال لزيد عندي عشرة إلَّا تسعة فهم السامع منه أنّه أقرّ بدرهم أو لعدم استعماله في اللَّغة وهو باطل لأن عدم الاستعمال دعوى نعم إنّه غير كثير في كلامهم لأن الحاجة لا تدعوا إليه إلَّا نادرا لهذا لم ينقل في كلامهم أو نقل نادرا أو لأن الحكمة تمنع من ذلك وهو باطل إذ قد يتفق أن يكون على زيد ألف درهم وقد قضى فيها تسعمائة وتسعين وينسى ذلك فيقر بالألف فيتذكر في حال القضاء فيستدرك الاستثناء وقد يحتمل أن يكون لزيد على عمرو درهم ولخالد على عمرو ألف درهم فيروم عمرو أن يقر لخالد بالألف فيسبق لسانه بالإقرار لزيد فلا يجد إلى رفع ذلك سبيلا إلَّا بالاستدراك فإذا كان كذلك لم يمنع الحكم منه ولهذا لو صرّح المستثني بأحد العددين لم يكن عليه لوم ولا مانع سوى هذه بالاستقراء وإذا انتفت صحّ حسن الاستثناء انتهى وفيه نظر لأنّ المنع لعدم استعماله في اللَّغة وعدم ثبوت تجويزه من أهلها قوله عدم الاستعمال دعوى قلنا هي ليست خالية عن الدليل بل الدليل عليها موجود وهو أصالة عدم الاستعمال على أن الشّك في المقام يكفي لأن الشّك في علَّة الصّحة وهي الاستعمال يستلزم الشّك في معلولها كما في كلّ أمر توقيفي نعم قد يستدل على صحّة ذلك وكونه من اللَّغة بالتبادر الَّذي أشار إليه المستدل لما تقرر من أن التبادر دليل الحقيقة وقد يقال هذا منقوض بتبادر المعنى من الألفاظ المحرفة والأغلاط المستعملة مع أنها ليست من اللَّغة بالضرورة وقد يجاب بأن ذلك قد ثبت من الخارج ولولاه لكان اللازم الحكم بالصّحة لغة بأنّ الأصل في التبادر أن يكون ناشئا من جهة وضع أهل اللَّغة فتأمل ومنها ما تمسّك به سبط الشهيد الثّاني والفاضل البهائي والسّيد الأستاذ رحمه الله والعضدي كما عن الرّازي من أنّه وقع في القرآن استثناء